الرئيسية / مقالات / طريق العلم

طريق العلم

عظمة العلم
عظَّم الله العلم وشرَّفه فكانت أول كلمة أوحاها الله لنبيِّه “اقرأ” ورفع حامله درجات فقال عزّ وجلّ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات1.

وفرضه على كل مسلم فقال خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم2.

وقارن أمير المؤمنين عليه السلام بين العلم والمال قائلاً لصاحبه: يا كميل العلم خير من المال:
1- العلم يحرسك، وأنت تحرس المال.
2- والعلم حاكم، والمال محكوم عليه.
3- والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق3.

وقارن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بين العلم والعبادة فقال: “باب من العلم نتعلّمه أحبّ إلينا من ألف ركعةٍ تطوعاً4.

وأخيراً شرّف علي عليه السلام العلم بقوله “كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا انتسب إليه، وكفى بالجهل ذماً أن يبرأ منه من هو فيه5.

ثواب المتعلّم
وبيَّن أهل بيت العصمة عليهم السلام ثواباً كبيراً لسالك طريق العلم فأخبرنا نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه:

1- كالصائم نهاره القائم ليله6.
2- تظله ملائكة الله.
3- قد بورك له في معيشته7.
4- تستغفر له الأرض.
5- من عتقاء الله من النار.
6- من أصحاب مواطن الكرامة في الجنة.

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار، فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده، ما من متعلّم يختلف إلى باب العالم المعلِّم إلاّ كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى الله له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض وهي تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له وتشهد الملائكة انه من عتقاء الله من النار8.

7- فإذا جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة9.

صفة العلم المطلوب:
نبَّه أهل العصمة عليهم السلام على الاهتمام بنوع العلم وصفته حتى لا تملأ نفس الإنسان بما يضرها، أو على الأقل بما لا ينفعها، ففي وصية الخضر عليه السلام لكليم الله موسى عليه السلام: “… واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك10.

من هنا كان نافع العلم شرطاً أساسياً في العلم المطلوب في كلمات أهل البيت عليهم السلام. وهذا ما عبّر عنه صريحاً نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في قصته المعروفة حينما دخل المسجد فإذا جماعة قد طافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل: علاَّمة، فقال، وما العلاَّمة؟ فقالوا: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية، والأشعار العربية.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه”، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة عادلة، وسنّة قائمة، وما خلاهنَّ فهو فضل11.

شروط العلم المنجي:
اشترط أهل بيت العصمة عليهم السلام في العلم المنجي شرطين أساسيين:


الأول: أن يكون لأجل العمل

ففي وصية الخضر عليه السلام لكليم الله موسى عليه السلام، “يا موسى تعلّم ما تعلم لتعمل به، ولا تعلَّمه لتحدِّث به فيكون عليك بوره، ويكون على غيرك نوره12.

يقول الإمام الخميني قدس سره: “العلم والعمل، العلم والالتزام، بمنزلة الجناحين – اللذين يمكّنان الإنسان مجتمعين – من الوصول إلى مدارج الرقي والكمال13.
يقول الإمام الخامنئي دام ظله: “ليس الإنسان بصالح إذا كان عالماً ولكنه لا يخدم بعلمه، فالإنسان الصالح هو الذي يجمع بالإضافة إلى علمه نية الخدمة والعمل14.

الثاني: الإخلاص لله تعالى

فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “من تعلَّم علماً مما يبتغى به وجه الله عزّ وجل، لا يتعلمه إلاّ ليصيب به غرضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة15.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال جريء، فقد قيل ذلك، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأتى به فعرَّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلَّمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ القرآن، فقد قيل ذلك، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار16.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “ما ازداد عبدٌ علماً فازداد في الدنيا رغبة إلاّ ازداد من الله بعداً”17.

وفي هذين الشرطين ورد الحديث المعروف: “الناس كلهم هلكى إلاّ العالمون، والعالمون كلّهم هلكى إلاّ العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلاّ المخلصون..“.

يقول الإمام الخميني قدس سره: “العلم الحقيقي هو ذلك العلم الذي يكون نور للهداية الملكوتية والصراط المستقيم والتقرب لـ(دار الكرامة)18.

ويقول الإمام الخامنئي دام ظله: “لو ركَّزنا على العلم دون البعد الآخر للصلاح لوقعنا في خسارة مبينة19.

إرشادات في كيفية تحصيل العلم
أرشد أهل البيت عليهم السلام إلى جملة من الأمور في طريق تحصيل العلم نذكر منها:


1- الكتابة

فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “قيّدوا العلم. قيل: وما تقييده؟ قال كتابته20.
بل ورد عن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم: “إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم، كانت تلك الورقة ستراً له فيما بينه وبين النار، وأعطاه الله تعالى بكل حرف مدينة أوسع من الدنيا وما فيها“21.

2ـ المذاكرة

وهي تتحقق باجتماع مجموعة من الطلاب فيقوم أحدهم بدور الأستاذ فيعرض الدرس شارحاً له، بينما يستمع الباقون إليه بإنصات.
ولا يخفى ما لهذه المذاكرة من أثر في ترسـيخ الـدروس عنـد الطلاب لا سيما المتصدي لشرح الدرس، كما لا يخفى دورهـا في تمتين لغة العرض، وضبط المطلب العلمي لدى الطالب مما يؤهلـه للتعليم بجدارة.

وقد أشار أهل البيت عليهم السلام إلى ثواب المذاكرة التي اعتبرها نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم كتسبيح الله تعالى فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم فاطلبوا العلم في مظانّه واقتبسوه من أهله، فإن تعلّمه لله تعالى حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح22.

وعن الباقر عليه السلام: “رحم الله عبداً أحيى العلم، فقيل: وما إحياؤه؟ قال: أن يذاكر به أهل الدين والورع23.

3ـ الحفظ
فقد ورد أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ما العلم؟

فقال: الإنصات، قال: ثم مه يا رسول الله؟
قال: الاستماع، قال: ثم مه يا رسول الله؟
قال: الحفظ، قال: ثم مه يا رسول الله؟
قال: العمل به، قال: ثم مه يا رسول الله؟
قال: نشره24.

مانع الحفظ
قال علي بن حشرم: شكوت إلى وكيع قلة الحفظ، فقال: استعن على الحفظ بقلة الذنوب.

وقد نظم بعضهم ذلك في بيتين فقال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي                   فأرشدني إلى ترك المعـــاصي
وقــال اعــلم بـأن العلــم فضـل                 وفضل اللـه لا يؤتـاه عـاصي
25

وقت الحفظ ومكانه:قال الشهيد الثاني: “ومما قالوه ودلَّت عليه التجربة إن حفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، والمكان البعيد عن الملهيات كالأصوات وقوارع الطرق التي تكثر فيها الركاب، لأنها تمنع من خلو القلب وتقسمه على حسب تلك الحالات26.

4ـ السؤال
فقد تخطر في ذهن الطالب أسئلة يبقى معها حائراً لا يعرف جوابها إلاّ أن يخرجها بسؤال العالم، وبالجواب يفتح قفل العلم، فالمعلِّم حينما يشرح الدرس قد لا يعرف في كثير من الأحيان السبب في عدم وصول المطلب إلى التلميذ، فإذا سأل التلميذ بانَ السبب وانقضى العجب. من هنا حثَّ أهل البيت عليهم السلام على السؤال مبيِّنين أجراً عليه ففي الحديث:”العلم خزائن والمفاتيح السؤال، فاسألوا رحمكم الله فإنما يؤجر أربعة: السائل، والمتكلم، والمستمع، والمحبّ لهم”.

وقد ذُمَّ الطالب الذي يستنكف عن السؤال استحياءً فيبقى في حالة الجهل.
وقد قيل: من استحيى من المسألة لم يستحِ الجهل منه.

وأنشد الشاعر:
وليـــس العمــى طـــول الســــؤال وإنمـــا                            تمام العمى طول السكوت على الجهل

وقد صدق أبو عبد الله الصادق عليه السلام حينما قال: “إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون27.

5ـ مجالسة العلماء
ففي حديث أمير المؤمنين عليه السلام عن العلم وفضائله قال: “… ورجله زيارة العلماء“، ثم قال: “… وجيشه مجاورة العلماء28.

بل ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “من جلس عند العالم ساعة ناداه الملك جلست إلى عبدي، وعزتي وجلالي لأُسْكنَنَّك الجنة ولا أبالي29.

ومن لطيف ما ورد في مجالسة العلماء معالجة الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثمالي لقضية التراجع الروحي عند الإقبال في عبادة الله تعالى: إذ يعتبر الإمام عليه السلام إن عدم مجالسة العلماء سببٌ لهذا التراجع فيقول عليه السلام:

المشكلة:”... ما لي كلَّما قلتُ قد صلحت سريرتي وقرب من مجالس التوابين مجلسي عرضت لي بلية أزالت قدمي، وحالت بيني وبين خدمتك“.
السبب:”… سيدي… لعلَّك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني

أو لعلك رأيتني غير                     شاكر لنعمائك فحرمتني

أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني..30.

وأخيراً
ينبغي أن نتذكَّر دائماً أن العلم طريـق لتهـذيـب النفس الإنسانية سعياً للقرب من الله تعالى على القاعدة التي ذكرها إمام الأمة الراحل قدس سره: “إذا حرَّكتم قدماً في طريق العلم فعليكم أن تحرِّكوا قدمين في تهذيب النفس“.

شاهد أيضاً

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال للإمام علي عليه السلام: …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *